قضية الأستاذ بودحيم: تعنيف تابث أم مؤامرة مبنية على عصببة قبلية؟!

بقلم: ذ/ لبنى الجود

 قد يبدو العنوان صادما للبعض، و شافيا لغليل البعض الآخر، لكن الهدف منه ليس استفزاز أو تهييج المشاعر, بل هو تعبير عن حقيقة غابت عن كل من يملك عقلا سويا، و تناولا منطقيا للأمور، عن كل من يؤمن بالوطن و يكرس قيم التعايش و المواطنة.

كنا نظن كمجمل مكونات الرأي العام أن قضية الأستاذ بوجمعة بودحيم ، قضية أستاذ متهم بتعنيف تلميذته، إلى أن خرجت الأستاذة المكلفة بالدفاع عن الطفلة المشتكية،  لتسلط الضوء و تنير العقول على ماهية تناولها لهذه القضية التي يقال عنها أنها قضية حقوقية، و هي في واقع الأمر تجذر للتمييز و استعراض للعنصرية في أبخس تجلياتها.

في حين كان سؤال الصحفي واضح المعالم ، متعلقا بمستجدات القضية ، فإن السؤال كان في واد ، و الجواب في واد آخر، إذ بدل تناول الموضوع بعقلانية و حياد خاصة أن الحكم الإبتدائي كان لصالح الطفلة ، فإن المحامية الفاضلة لم تجد بدا من إثارة تصورها لما أسمته " المجتمع الأمازيغي" الذي يثمن ثقافة الحوار ، و يدحض العنف ، فإذا بها تحدثنا عن شعار الأمازيغ و عن تاريخ المنطقة و رجالاتها، مسطرة على أن الأسر المتكونة من أب و أم أمازيغية يستحيل أن تعنف أبناءها.

و هنا نجد نفسنا أمام رؤية جديدة لهذه القضية التي لفها الغموض،  فمحامية الطفلة  ترشدنا نحو قراءة جديدة لملابسات هذه القضية، التي فقدت في ظل أقوال عنصرية محضة، بعدها الإنساني ، و ظهر كنهها و جوهرها المتمثل في الحقد و الكراهية  .

جمل و تركيبات تترك كل من يشاهد المقابلة الصحفية ، مذهولا، مصعوقا أمام الإستقواء و الإستعلاء الذي أبانت عنه المحامية ، مسندة لنفسها دورا ليس لها، ضاربة بعرض الحائط بهيبة السلطات المحلية ، إذ تقول أن القبائل تريد الخروج للشارع  لكنها من تردعهم عن ذلك، فتهدد بتعبئة الأسر و إخراجهم في مسيرات ضد الأساتذة .

فبالإضافة للتسطير على المرافعة الرائعة التي قامت بها النيابة العامة، و التي حسب قولها ، لم تترافع جيدا منذ سنة 2011، فإنها تتجرأ و هي العارفة بالقانون، و الملزمة باحترام ذاك القسم الذي أدته قبل مزاولتها لمهنة المحاماة، أن تخاطب علنا القاضي الذي سينطق بحكم الإستناف، في محاولة بائسة للتأثير على قراره.

و جوابا على خطاب وجهته المحامية المحترمة للجسم التعليمي، فإنني، و بصفتي رئيسة للرابطة المستقلة لأساتذة المغرب، أقول :

- نحن كأساتذة مغاربة لا نفرق بين تلاميذنا و طلبتنا، فهم مغاربة بإختلاف إثنياتهم، أصولهم أو حتى عقائدهم ، فلا نفضل أحدا على أحد ، و لا تنساق وراء عواطفنا فنبخس هذا و نستقوي على ذاك.

- إن الوطن للجميع  فنحن سواسية في الحقوق و الواجبات.

-  نملك كمغاربة الحق في السكن في أي منطقة ضمن حدود ترابنا الوطني، فلا قبائل و لا قبلية و لا دولة داخل الدولة قائمة أو ستقام ، فلا يملك المواطن إلا عقاراته و أغراضه الشخصية ، فقد ولى عهد القبائل منذ قرون، فحان الوقت أن يتعايش من يمنون أنفسهم بأمجاد أسطورية ، مع واقع أننا و بتعدد ثقافاتنا شعب واحد ، لا فرق و لا تفريق بين مكوناته. 

- تربية الأسر لأبنائها لا علاقة لها بالأصول الإثنية، و من المعيب، أن تقوم امرأة تدعي الوعي ، بالتسطير على فروق  تربوية و حياتية لا توجد إلا في عقول المرضى المتعصبين لإحساسهم الغير مبرر بالدونية.

- إن تبخيس قيمة الأساتذة ، تبخيس للنفس، فكم من معلم درسك و أفادك، و أنار دربك ؟ أم أنك صرت محامية بمعجزة سماوية؟

- لا تحتاج الأسرة التعليمية لدروس في الأخلاق و التربية ، فلسنا من نضرب في نبل زملائنا لأنهم لا يسايرون توجهاتنا العنصرية ، نحن، أسرة واحدة شامخة متضامنة ، نحن من نعطي الدروس   في التضحية و الإيثار و القيم الإنسانية، فلا نقتات على مآسي العباد و لا نتاجر بآلام المستضعفين، فنحن من يضمد جراح الجهل و ننير السبيل.

- نؤمن إيمانا راسخا ببرائة الأستاذ بوجمعة بودحيم، و قد زادتنا هذه المقابلة الصحفية التي نفثت فيها سمومك ،  يقينا بأن قضية تعنيف الطفلة المزعوم ، ليست إلا مؤامرة قبلية على أستاذ دخيل ، أساسها ميز عنصري ، و أعمدتها كراهية و حقد مبني على عصبية قبلية و سقفها انتقام بئيس مقيت من رجال و نساء التعليم.

هنيئا لأسرة الطفلة بدعم المحسنين ، فهناك فرق حقيقة بين المصالحة التي تعتبرها المحامية بيعا و بين  الإستجداء الذي تعتبره مساندة  و تكافل.

و إذ نندد ، كرابطة مستقلة لأساتذة المغرب، بموقف محامية دفاع الطفلة مريم من نساء ورجال التعليم قاطبة ، فإننا نجدد ثقتنا في القضاء ، و ندعو إلى إرساء كل ظروف المحاكمة العادلة بعيدا عن محاولات البعض في استمالة الرأي العام ، متغافلين عن الأساس ألا و هو : العدل و استحضار الضمير .